
الضمير
الضمير لغةً: من الضمور وهو الهزال؛ لقلة حروفه، أو من الإضمار وهو الإخفاء؛ لكثرة استتاره. وفي الاصطلاح: ما كُنِّيَ به عن الظاهر اختصارًا، وقيل: ما دل على حضور أو غَيْبَة، لا من مادتهما، فالدال على الحضور نوعان.الشيخ: (الضمير) موجود بكثرة في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم، وفي السنن النبوية، فهو مشتق (من الضمور وهو الهزال؛ لقلة حروفه)؛ لأن حروفه قليلة في الواقع، تجدها بعضها على حرف واحد، مثل أيش؟ طالب: ضَرَبَهُ.الشيخ: الهاء في (ضربه) على حرف واحد، منه ما هو حرفان؟طالب: هو.الشيخ: هو، ومنه ما هو على ثلاثة؟ طالب: هما. الشيخ: هما، إذا لم نجعل (...) على التثنية، نحن؟طلبة: ثلاثة.الشيخ: ثلاثة؟ إي نعم.وقيل: إنه من (الإخفاء؛ لكثرة استتاره)، صحيح، وكلاهما صحيح. (في الاصطلاح: ما كُنِّيَ به عن الظاهر اختصارًا)، يعني: ما جاء كناية عن الظاهر اختصارًا، فإذا قلت: عمرو ضربه بكر، فالهاء نابت عن عمرو اختصارًا. (وقيل: ما دل على حضور أو غَيْبَة لا من مادتهما)، وهذا تفسير ابن مالك في الألفية:| فَمَــــــــــا لِــــــــــذِي غَيْبَـــــــــةٍ أَوْ حُضُـــــــــــورٍ | كَـ(أَنْتَ) وَ(هْوَ) سَـــــــــمِّ بِالضَّمِـــــــيرِ |
***
الطالب: فالدال على الحضور نوعان؛ أحدهما: ما وُضِعَ للمتكلم، مثل: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ [غافر: ٤٤]. الثاني: ما وُضِعَ للمخاطب، مثل: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]، وهذان لا يحتاجان إلى مرجع اكتفاءً بدلالة الحضور عنه، والدال على الغائب ما وُضِعَ للغائب، ولا بد له من مرجع يعود عليه، والأصل في المرجع أن يكون سابقًا على الضمير لفظًا ورتبةً.الشيخ: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِأين الضمير؟ طلبة: الياء يا شيخ.الشيخ: الياء في (أمري)، أما صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْفهي التاء.الطالب: والأصل في المرجع أن يكون سابقًا على الضمير لفظًا ورتبة، مطابقًا له لفظًا ومعنًى، مثل: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ [هود: ٤٥]، وقد يكون مفهومًا.الشيخ: هذا الأصل في مرجع الضمير، أولًا: الغائب هو الذي لا بد له من مرجع، المتكلم يحتاج إلى مرجع؟ لا، اكتفاءً بالحضور، المخاطب لا يحتاج إلى مرجع اكتفاءً بالحضور، الغائب هو الذي يحتاج إلى مرجع. (والأصل) فيه (أن يكون سابقًا على الضمير لفظًا ورتبة، مطابقًا له لفظًا ومعنًى)، إذن سابقًا مطابقًا، والسبق إما باللفظ أو بالرتبة، والمطابقة إما باللفظ وإما بالمعنى، مثاله: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ)، الهاء في (ربه) تعود على (نوح)، نوح سابق على الضمير لفظًا أيش؟ طلبة: ورتبة.الشيخ: لفظًا واضح، نُوحٌ رَبَّهُ، ورتبة لأنه فاعل، والفاعل مقدَّم في الرتبة على غيره، هل هو مطابق؟ لفظًا ومعنى؛ لأنه -أي الضمير- في (ربه) ضمير مفرد مذكر، والمرجع مفرد مذكر.***
الطالب: وقد يكون مفهومًا من مادة الفعل السابق مثل: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨]...الشيخ: طيب، اعْدِلُوا هُوَأين المرجع؟طالب: اعْدِلُوا.الشيخ: المرجع هو العدل المفهوم من كلمة اعْدِلُوا.***
الطالب: وقد يسبق لفظًا لا رتبة، مثل وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ [البقرة: ١٢٤]، وقد يسبق رتبة لا لفظًا؛ مثل: حمل كتابه الطالب، وقد يكون مفهومًا..الشيخ: طيب (يسبق لفظًا لا رتبة مثل: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ)، وجه أنه متقدم لفظًا لا رتبة؟ متقدم لفظًا لا رتبة أي: مرجع الضمير متقدم لفظًا لا رتبة.طالب: الضمير جاء متأخرًا.الشيخ: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ.الطالب: رَبُّهُعائد على إبراهيم.الشيخ: وإبراهيم متقدم؟الطالب: لفظًا لا رتبة.الشيخ: لماذا لا رتبة؟ الطالب: لأن المفعول يأتي متأخرًا عن.. الشيخ: لأن المفعول به يكون بعد الفاعل، صح، (وقد يسبق رتبة لا لفظًا) مثاله؟ طالب: حمل كتابه الطالب.الشيخ: كيف؟ اشرح هذا.الطالب: الآن يكون الأصل: حمل الطالب كتابه، لكن أَخَّرَ الطالب وقَدَّمَ الكتاب.الشيخ: قَدَّمَ الضمير.الطالب: (...) كتابه الآن تقدَّم.الشيخ: الآن الطالب متأخر عن الضمير، الطالب اللي هو مرجع الضمير متأخر عن الضمير، لكن متأخر لفظًا لا رتبة؛ لأن الطالب فاعل ورتبته أن يتقدم.قد يسبق لفظًا لا رتبة مثل قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ، أولًا: لا بد تعرف مرجع الضمير في (قد يسبق) ما هو اللي قد يسبق؟ هل هو الضمير ولَّا المرجع؟ المرجع، قد يسبق لفظًا لا رتبة، مثاله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُأين موضع (إبراهيم)؟ طالب: (...).الشيخ: متأخِّر؛ لأن (إبراهيم) مفعول به، و(رب) فاعل، والرتبة أن المفعول به متأخر عن الفاعل، هنا قُدِّم المفعول به، فصار متقدمًا لفظًا لا رتبةً؛ لأن رتبة يكون بعد الفاعل. (وقد يسبق رتبة لا لفظًا، مثاله: حمل كتابَه الطالبُ)، الآن الطالب فاعل، وهو بحسَب الترتبيب اللفظي متأخر ولَّا متقدم؟ متأخر، وحسب الترتيب المعنوي؟ متقدم، كان المفروض أن يقول: حمل الطالبُ كتابَه، هذا الأصل، لكن قال: حمل كتابَه الطالبُ، فكيف عاد الضمير إلى متأخر، نقول: هو متأخر لفظًا متقدم رتبة.***
الطالب: وقد يكون مفهومًا من السياق، مثل: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١١]، فالضمير يعود على الميت المفهوم من قوله: مِمَّا تَرَكَ، وقد لا يطابق الضمير معنًى مثل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً [المؤمنون: ١٢، ١٣]، فالضمير يعود على الإنسان باعتبار اللفظ؛ لأن المجعول نطفة ليس الإنسان الأول، وإذا كان المرجع صالحًا للمفرد..الشيخ: إذن هذه أيضًا أحوال، (قد يكون المفهوم من السياق مثل: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)، وقد يكون مفهومًا من السياق، مثل قوله: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، هذا صواب الآية لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، (فالضمير يعود على الميت المفهوم من قوله: مِمَّا تَرَكَ)، (أبويه)، أبوي من؟طلبة: الميت.الشيخ: هل سبق له مرجع؟طالب: لا، مفهوم من السياق.الشيخ: نقرأ الآية: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ.طالب: الأولاد.الشيخ: أبوي من؟الطالب: الولد.الشيخ: لا.طلبة: الميت.الشيخ: الميت المفهوم من قوله: مَا تَرَكَ، (وقد لا يطابق الضمير معنى مثل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً)، خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُأي: الإنسان، باعتبار اللفظ ولَّا باعتبار المعنى؟ طلبة: المعنى.طلبة آخرون: اللفظ.الشيخ: وقد لا يطابق الضمير معنى، مثل قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً.طالب: مطابق لفظًا.الشيخ: إذا قلتم: مطابق معنًى، فمعناه أن آدم تحوَّل إلى نطفة وصار في بطن الأمهات، أليس كذلك؟ وهذا لا يستقيم، إذن جَعَلْنَاهُأي: الإنسان، فعاد إلى اللفظ، لا إلى المعنى.***
الطالب: وإذا كان المرجع صالحًا للمفرد والجمع جاز عود الضمير عليه بأحدهما، مثل: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١].الشيخ: (إذا كان المرجع صالحًا للمفرد والجمع جاز عود الضمير عليه بأحدهما)، يعني: إما الجمع وإما المفرد، مثاله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ، (مَن) هذه الشرطية، صالحًا للواحد والجماعة، يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ، الضمائر هذه عادت إلى (مَن) باعتبار؟ باعتبار المفرد.خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاباعتبار الجمع، و(مَن) لفظها مفرد، ومعناها جمع. قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُعاد مرة ثانية إلى المفرد، وهذا يُعلم من السياق.***
الطالب: والأصل اتحاد مرجع الضمائر إذا تعددت، مثل: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ٥ - ١٠] فضمائر الرفع في هذه الآيات تعود إلى شديد القوى وهو جبريل.الشيخ: هذه مهمة جدًّا، الأصل أن الضمائر مرجعها واحد، وكما أن هذا هو الأصل فهو الأقرب للمعنى؛ لأنك لو جعلت الضمير الأول لشيء، والثاني لشيء، والثالث لشيء، لزم من ذلك تشتت الضمائر، وصار الكلام الذي يُراد أن يكون بيِّنًا صار مبهمًا، خفيًّا، فإذا وجدت ضمائر متعددة فاحملها على مرجع واحد، هذا هو الأصل، ولا تشتت الضمائر، ولنقرأ هذه الآيات: قال الله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى(علَّمه) أي: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، شَدِيدُ الْقُوَىيعني بذلك جبريل، ذُو مِرَّةٍأي: ذو هيئة حسنة، فَاسْتَوَىأي: كمُل، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، يعني الأفق الأعلى معناه: الشيء المرتفع في الجو. وقوله: استوىأي: كان على خِلقته التي خُلق عليها، له كم؟ ست مئة جناح.ثُمَّ دَنَامَن؟ جبريل، فَتَدَلَّىجبريل، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىجبريل، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَىأوحى جبريل، إِلَى عَبْدِهِ؟طالب: النبي صلى الله عليه وسلم.الشيخ: لا (الهاء) هنا لا تكون لجبريل، إلى الله، مَا أَوْحَىأي: ما أوحاه جبريل، أو ما أوحاه الله إلى جبريل.من العلماء من قال: إن قوله: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىهو يعود على الله عز وجل، والذي حملهم على ذلك قوله: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، فراعوا آخر الآية ولم يراعوا أولها، وشتتوا الضمائر، ولم يوحِّدوا مرجعها، ولهذا كان الصواب بل المتعين أن يكون الذي دنا فتدلى هو جبريل عليه الصلاة والسلام، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىإلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه قاعدة مهمة؛ أن الضمائر إذا تتابعت فمرجعها واحد، إلا بدليل يصرفه عن هذا، كل هذه أصول في الضمائر تنفعكم.***
الطالب: والأصل عود الضمير على أقرب مذكور إلا في المتضايفين، فيعود على المضاف؛ لأنه المتحدَث عنه، مثال الأول: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء: ٢]، ومثال الثاني: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، وقد يأتي على خلاف الأصل فيما سبق بدليل يدُل عليه.الشيخ: العبارة هذه الظاهر فيها نقص، (الأصل عود الضمير على أقرب مذكور إلا في المتضايفين، فيعود على المضاف؛ لأنه المتحدَث عنه)، مثال الأول، يعني أقرب مذكور: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، جعلناه؟طلبة: الكتاب.الشيخ: الكتاب، ليش؟طلبة: لأنه أقرب مذكور.الشيخ: ومثال الثاني؛ المتضايفين: قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، الضمير يعود على مَن؟ طلبة: نِعْمَةَ اللَّهِ.الشيخ: على نِعْمَةَ اللَّهِ، والدليل على أنه يعود عليها التأنيث لَا تُحْصُوهَا. قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا [الحج: ٧٨]، هُوَ سَمَّاكُمُهل هو الله ولَّا إبراهيم؟طلبة: إبراهيم.الشيخ: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا؟طلبة: الله عز وجل.الشيخ: فيها قولان؛ قول: إنه يعود على الله؛ لأنه الحديث هكذا مجراه، وقول يعود على إبراهيم؛ لأنه أقرب مذكور، والحقيقة أنه يمر بنا في القرآن، لكننا لا نقيِّد ثم ننسى، يمر بنا أشياء يعود الضمير فيها إلى المضاف إليه، وأشياء يعود الضمير إلى المضاف، وهذا ينبغي للإنسان إذا مرت به هذه الأشياء أن يقيدها؛ لئلا ينسى.طالب: الراجح يا شيخ هل هو إلى إبراهيم (...)؟ الشيخ: الراجح أن السياق يدل على أن المسمِّي هو الله عز وجل. طالب: في قوله تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى [العلق: ٩ - ١٢] ربما الأصل هنا (...)؟ الشيخ: فيها ما يكون على الأصل، وفيها ما يكون على خلاف الأصل لدليل، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّىإِذَا صَلَّىتعود على مَن؟طلبة: على الرسول.الشيخ: إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىيعود إلى الرسول، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق: ١٣، ١٤]، هذه على الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّىحسب السياق، حسب المعنى. طالب: التفاسير المعتمدة بالنسبة للعقيدة.طالب آخر: بالنسبة للضمائر ما هو الضابط فيها، في مثل قوله تعالى: هُوَ اجْتَبَاكُمْوسَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ؟الشيخ: بعض العلماء يراعي أقرب مذكور.الطالب: والراجح فيها؟الشيخ: إحنا رجَّحنا أن قوله: هُوَ سَمَّاكُمُعلى الله عز وجل.الطالب: ولكن أقرب مذكور يا شيخ هو إبراهيم. الشيخ: إي، لكن السياق يدل على أن الله هو الذي سمَّاهم، هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج: ٧٨].الطالب: يا شيخ نقدم ظاهر السياق على..الشيخ: إي؛ لأنه إذا كانت تسمية من الله عز وجل فهي أعظم تشريفًا مما إذا سماها إبراهيم، والآية كلها في بيان فضائل هذه الأمة.طالب: في مجموعة من التفاسير اللي نرجع إليها غالبًا مثل القرطبي والطبري وابن كثير ونحوها، ما هو المعتمد بالنسبة لموضوع العقيدة..الشيخ: المعتمد أحسنهم عقيدة لا شك ابن كثير رحمه الله، سلفي، لا تجده أوَّل في أي شيء من آيات الصفات، البغوي أيضًا لا بأس به، لكن فيه بعض الأشياء، التأويل مثل تأويل الرحمة وما أشبه ذلك، والقرطبي كذلك عنده شيء من التأويل، لكنه أخف من مثل الجلالين رحمه الله وغيره. طالب: وابن جرير. الشيخ: ابن جرير تعرف أنه يفسِّر بالآثار. طالب: شيخ، حديث: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ، ما مرجع الضمير؟ الشيخ: هذه من هذا الباب، هل نجعل الهاء في (صورته) تعود على آدم لأنه أقرب مذكور، أو على الله؛ لأنه هو الخالق؟ طالب: أقرب مذكور.الشيخ: أقرب مذكور، «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، لكن الواقع أن هذا يمنعه شيئان؛ أن يعود الضمير على آدم، يمنعه شيئان؛ الشيء الأول: أنه لا مزيَّة لآدم إذا خلقه الله على صورته، أي على صورة آدم؛ لأن كل شيء خلقه الله على صورته، أي على صورة نفسه، حتى الفرس خلقه الله على صورته، وحتى الجمل خلقه الله على صورته، وحتى إبليس خلقه الله على صورته، فيبقى الحديث لا معنى له إطلاقًا، الثاني: مما يمنعه أنه قد ورد بلفظ صريح: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» ، وهذا لفظ صريح لا يقبل النزاع، فيُحمل الضمير المبهَم على الظاهر المفصّل، لكن يبقى النظر ما معنى الحديث؟قيل: معناه إن الله خلق آدم على صورته، مثلُ قوله: ناقة الله، وبيت الله، فإضافة الصورة إلى الله عز وجل إضافة تشريف وتكريم، وأن هذا الذي خلقه الله على الصورة التي اختارها وأضافها إلى نفسه لا ينبغي أن يُقَبَّح أو يُضْرَب؛ لأن الأصل: لَا تَضْرِبُوا الْوَجْهَ لَا تُقَبِّحُوهُ؛ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، فما دامت هذه الصورة قد اعتنى الله بها وأضافها إلى نفسه فإنها لا تُقَبَّح فتُعاب معنًى، ولا تُضْرَب فتعاب حِسًّا.وعلى هذا فتكون الصورة صورة آدم، لكنها أضيفت إلى الله تعالى تشريفًا، وهذا ليس بغريب، وليس ببعيد، وليس بمنكَر؛ لأن اللفظ يحتمله احتمالًا قريبًا. الثاني: أن نقول: على صورة الله؛ أي على صورة الرب عز وجل التي هي صورة الرب، ولا يعارض هذا قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]؛ لأنه لا يلزم من كونه على صورته أن يكون مماثلًا له؛ بدليل أن أهل الجنة أول زمرة تدخل الجنة منهم على صورة القمر ليلة البدر ، ولا يلزم من كونهم على صورة القمر ليلة البدر أن يكونوا مماثلين للقمر، وهذا لا شك أنه أسلم؛ حيث إننا أجرينا الحديث على ظاهره.والعلة التي خاف منها من قالوا: إنه مضاف على سبيل التكريم، فهو من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، العلة التي خافوا منها تزول فيما إذا قلنا: إنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له، ونضرب المثل له بأصحاب الجنة الذين يكونون على صورة القمر.***
الإظهار في موضع الإضمار
الأصل أن يؤتى في مكان الضمير بالضمير؛ لأنه أَبْيَن للمعنى وأخصر للفظ؛ ولهذا ناب الضمير في قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥] عن عشرين كلمة المذكورة قبله، وربما يؤتى مكان الضمير بالاسم الظاهر، وهو ما يسمى الإظهار في موضع الإضمار، وله فوائد كثيرة تظهر بحسب السياق، منها: أولًا.. الشيخ: (الأصل أن يُؤتى في مكان الضمير بالضمير)؛ لوجهين:الوجه الأول: (أنه أَبْيَن للمعنى)؛ لأنك إذا أظهرت في موضع الإضمار فقد يظن الظان أن هذا الكلام لا يرجع ولا يعود إلى ما سبق.والثاني: أنه (أخصر)؛ لأننا قلنا في تعريف الضمير ما كُني به عن الظاهر اختصارًا، ويدل لهذا قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، أرأيت لو قيل: أعد الله للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصابرين والصابرات.. إلى آخره، ماذا يكون الكلام، يكون طويلًا من وجه، وركيكًا من وجه آخر، فجاء هذا الضمير لينوب عن عشرين كلمة، وهذا واضح.***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في كتابه أصول في التفسير: الإظهار في موضع الإضمارالأصل أن يؤتَى في مكان الضمير بالضمير؛ لأنه أَبْيَن للمعنى وأخصر للفظ، ولهذا ناب الضمير في قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًاعن عشرين كلمة المذكورة قبله، وربما يؤتَى مكان الضمير بالاسم الظاهر، وهو ما يسمى الإظهار في موضع الإضمار، وله فوائد كثيرة تظهر بحسب السياق، منها: أولًا: الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر. ثانيًا: بيان علة الحكم.ثالثًا: عموم الحكم لكل متَّصِف بما يقتضيه الاسم الظاهر، مثال ذلك قوله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]، ولم يقل: فإن الله عدو له، فأفاد هذا الإظهار:أولًا: الحكم بالكفر على من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال.ثانيًا: أن الله عدو لهم؛ لكفرهم.ثالثًا: أن كل كافر فالله عدو له.مثالٌ آخر: قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف: ١٧٠]، ولم يقل: إنا لا نضيع أجرهم، وأفاد ثلاثة أمور:أولًا: الحكم بالإصلاح للذين يمسِّكون بالكتاب ويقيمون الصلاة.ثانيًا: أن الله آجرهم لإصلاحهم.ثالثًا: أن كل مصلِح فله أجر غير مُضَاع عند الله تعالى. وقد يتعين الإظهار كما لو تقدم الضمير مرجعان يصلح عوده إلى كل منهما، والمراد أحدهما، مثل: اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانة ولاة أمورهم؛ إذ لو قيل: وبطانتهم، لأوهم أن يكون المراد بطانة المسلمين..الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم:(الإظهار في موضع الإضمار)يعني معناه: أن يكون السياق يقتضي أن يؤتَى بالضمير، ولكن أُتي بالظاهر مكان الضمير، هذا له فوائد، منها: أولًا: (الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر)، فإذا كان الاسم الظاهر يقتضي الكفر حكمنا على مرجعه بأنه كافر، يقتضي الظلم حكمنا على مرجعه بأنه ظالم، يقتضي الفسق، فكذلك، يقتضي المدح فكذلك، المهم أنه يُحكم على مرجع الضمير بما يقتضيه هذا الاسم الظاهر.ثانيًا: (بيان علة الحكم)؛ وهو أن علته ما دل عليه ذلك الاسم الظاهر، وسيتبين بالمثال.ثالثًا: (عموم الحكم لكل مُتَّصِف بما يقتضيه الاسم الظاهر)، يعني إرادة العموم، وربما يقول: هناك فائدة رابعة، وهي التنبيه؛ لأن السياق إذا كان يقتضي الإضمار، ثم جاء الإظهار، فإن الإنسان يتوقف لماذا جاء الإظهار، فيكون فيه فائدة رابعة وهي التنبيه؛ تنبيه المخاطب أو القارئ، (مثال ذلك قول الله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) مقتضى السياق أن يقال؟طالب: الله عدو له.الشيخ: فإن الله عدو له؛ لأن المقام مقام ضمير، ولكن الله قال: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ(فأفاد هذا الإظهار: أولًا: الحكم بالكفر على من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال)، وجهُ ذلك: لو قال: من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو له، هل نستفيد أن هذا كافر؟ لا، إذا كان عدوًّا لهؤلاء فالله عدو له فقط، لكن ما ندري هو كافر أو ظالم أو فاسق، فلما جاءت فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَحكمنا على أن من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنه كافر. ثانيًا: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَتفيد التعليل، (إن الله عدو لهم لكفرهم)، بخلاف ما لو قال: فإن الله عدو له، فإنه لا يتبين بذلك علة العداوة. ثالثًا: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، يعني: هؤلاء خاصة أو كل كافر؟ كل كافر، ولهذا يفيد العموم وهو (أن كل كافر فالله عدو له). فهذه ثلاث فوائد مهمة. الفائدة الرابعة لما ذكرناه قبل قليل وهو التنبيه، ووجه ذلك أنه إذا كان مجرى الكلام على نسق واحد، ثم جاء ما يخالف هذا النسق، فإن السامع سوف يتوقف، ليش؟ أنا أقرأ: فإن الله عدو له، لكن لماذا قال: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ؟ فيحصل بهذا التنبه.(مثال آخر: قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) الذين يُمَسِّكون بالكتاب يعني: يتمسكون به تمسُّكًا تامًّا؛ ولهذا جاءت مشددة للمبالغة. وَأَقَامُوا الصَّلَاةَواضحة. إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَالمترَقَّب أن يقال أيش؟ أجرهم، لكنه قال -سبحانه وتعالى-: أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ، (ولم يقل: إنا لا نضيع أجرهم، فأفاد)، عندكم: (وأفاد)، والصواب: فأفاد، كما في الأصل عندي، (فأفاد ثلاثة أمور، أولًا: الحكم بالإصلاح للذين يُمَسِّكون بالكتاب ويقيمون الصلاة)، ولو قال: إنا لا نضيع أجرهم، لم يتبين لنا أنهم مُصْلِحون، ولما قال: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَعرفنا أن هؤلاء مصلحون. (ثانيًا: أن الله آجَرَهم لإصلاحهم)، وهذا إفادة العلية. (ثالثًا: أن كل مُصْلِح فله أجرٌ غير مضاع عند الله تعالى).إذن هذه ثلاث فوائد، وإن شئنا زدنا الرابعة للإظهار في مقام الإضمار. ثم قال: (وقد يتعين الإظهار)، يعني: في مقام الإضمار، (كما لو تقدم الضمير مرجعان يصلح عوده إلى كل منهما، والمراد أحدهما، مثاله: اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانة ولاة أمورهم؛ إذ لو قيل: وبطانتهم، لأوهم أن يكون المراد بطانة المسلمين)، لو كان الدعاء: اللهم أَصْلِح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم، بطانة من؟طلبة: المسلمين.الشيخ: يحتمل أنها المسلمين، ويحتمل أنها ولاة الأمور، فحيئذٍ يتعين أن تُظهَر لئلا يحصل الالتباس، وهذه قاعدة معروفة في النحو؛ أنه إذا خيف الالتباس وجب أن يُحَوَّل الكلام إلى ما ليس فيه التباس.طالب: أحسن الله إليكم، هل يحتمل أن يكون (...) يُمَسِّكون بالكتاب، هل يقال يعني: يمسكون غيرهم بدعوتهم إلى الكتاب؟الشيخ: الدعوة إلى الكتاب من جملة التمسك به، فيكون هذا كأعم. طالب: ربما يا شيخ نأخذ من السياق: اللهم أصلح للمسلمين، ومن السياق: بطانتهم، ما يحتاج؛ لأن السياق يدل على أن ندعو لولاة الأمور بذاتهم؟الشيخ: إي نعم، لكن هذا يبين أوضح.الطالب: لكن ما نقول من السياق؟ الشيخ: لكن ليأتي إنسان ما يعرف السياق. طالب: من هذه الآية هل نستطيع أن نُكَفِّر الروافض كلها من هذه الآية مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ؟ الشيخ: هم أعداء لهؤلاء؟ الطالب: لكنهم يقولون: جبريل أخطأ.الشيخ: هم مجرد ما يقولون: جبريل أخطأ الرسالة وكان مرسلًا إلى علي فذهب إلى محمد فهم كفار، ما فيه إشكال.***
ضمير الفصل
ضمير الفصل حرف بصيغة ضمير الرفع المنفصل يقع بين المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، ويكون بضمير المتكلم كقوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه: ١٤]، وقوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: ١٦٥]، وبضمير المخاطب، كقوله تعالى: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٧] وبضمير الغائب، كقوله تعالى: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥] وله ثلاث فوائد: الأولى: التوكيد؛ فإن قولك: زيد هو أخوك. أوكد من قولك: زيد أخوك.الثانية: الحصر؛ وهو اختصاص ما قبله بما بعده، فإن قولك: المجتهد هو الناجح، يفيد اختصاص المجتهد بالنجاح.الثالثة: الفصل؛ أي التمييز بين كون ما بعده خبرًا أو تابعًا، فإن قولك: زيد الفاضل، يحتمل أن تكون (الفاضل) صفة لـ(زيد)، والخبر منتظر، ويحتمل أن تكون الفاضل خبرًا، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا؛ لوجود ضمير الفصل. الشيخ: (ضمير الفصل) يقول المؤلف: (إنه حرف بصيغة ضمير الرفع المنفصل)، وبناء على ذلك يكون لا محل له من الإعراب، قال الله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠]، ولو كان له محل من الإعراب لقال: هم الغالبون، لكنه ليس له محل من الإعراب؛ إذ إنه حرف. (يقع بين المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين)، إذا كانا معرفتين جاء ضمير الفصل بين الخبر والمبتدأ، وسواء كانا منسوخين أم غير منسوخين، يعني: ضمير الفصل يأتي سواء نُسخ الخبر والمبتدأ أو لا، ويكون بضمير المتكلم، وبضمير المخاطب، وبضمير الغائب، يعني: يأتي بكل صور الضمائر؛ (بضمير المتكلم،كقوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه: ١٤]) أين ضمير الفصل؟ طالب: أنا إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ(أنا) هذه.الشيخ: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُهل هو واقع بين مبتدأ وخبر معرفتين؟ الجواب: نعم؛ لأن الياء في (إنني) ضمير، والضمير معرفة، واسم الجلالة معرفة أيضًا، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، وهنا وقع بين مبتدأ وخبر منسوخين أو لا؟ منسوخين.ويكون أيضًا (بضمير المخاطب، كقوله: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٧]) كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَأين ضمير الفصل؟ (أنت)، وهو واقع بين مبتدأ وخبر كلاهما معرفة، وهل هما منسوخان أو لا؟طالب: بلى.الشيخ: بلى ولَّا نعم؟الطالب: نعم.الشيخ: إي نعم، طيب هما منسوخان بـ(كان) ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ويكون (بضمير الغائب، كقوله تعالى: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥])، (هم) وقعت بين معرفتين؛ المبتدأ والخبر، وهما معرفتان؛ (أولاء) اسم إشارة وهو معرفة، و(المفلحون) مُحَلَّى بـ(أل)، بين مبتدأ وخبر منسوخين أو غير منسوخين؟طلبة: غير منسوخين. الشيخ: والأمثلة فيها، المنسوخ بـ(إن) وأخواتها، والمنسوخ بـ(كان) وأخواتها، وغير المنسوخ وهو كثير في القرآن، وكذلك في كلام العرب، كذلك في الشعر، فما فائدته؟(له ثلاث فوائد):الفائدة (الأولى: التوكيد، فإن قولك: زيد هو أخوك، أوكد من قولك: زيد أخوك)، صح؟يقول: زيد أخوك، فهمنا أن زيدًا أخوك.لكن قال له: هو أخوك، هذا أقوى من قولنا: زيد أخوك. و(الثانية: الحصر، وهو: اختصاص ما قبله بما بعده، فإن قولك: المجتهد هو الناجح.يفيد اختصاص المجتهد) أيش؟ (بالنجاح)، وغير المجتهد لا نجاح له.وربما يعبِّر بعضهم فيقول: يفيد الحصر. والمعنى واحد؛ يفيد الاختصاص أو يفيد الحصر.(الثالثة: الفصل، أي: التمييز بين كون ما بعده خبرًا أو تابعًا.فإن قولك: زيد الفاضل، يحتمل أن تكون (الفاضل) صفة لـ(زيد)، والخبر منتظر)، زيد الفاضل فيتشوَّف المخاطب، ويش فيه زيد الفاضل؟ يكون الخبر: زيد الفاضل محبوب، واضح؟فإذا أتيت بضمير الفصل فقلت: زيد هو الفاضل، تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا للمبتدأ، ولهذا سُمِّيَ ضمير الفصل؛ لأنه يفصل بين الخبر والصفة.قال: (والخبر منتظر، ويحتمل أن تكون الفاضل خبرًا.فإذا قلت: زيد هو الفاضل. تعين أن تكون الفاضل خبرًا؛ لوجود ضمير الفصل).طالب: هل ضمير الفصل هو ضمير الشأن؟الشيخ: لا، ضمير الشأن ضمير، وله محل من الإعراب، ويكون محذوفًا، لكن ضمير الفصل موجود. طالب: يا شيخ، قولكم: والخبر منتظر. محل (منتظر) من الإعراب؟الشيخ: خبر المبتدأ، الخبر هو الخبر.الطالب: مستأنفة.الشيخ: مستأنفة، أو حالية.طالب: هل هذا التقرير يدل على ضعف بعضهم حينما يقسمون الخبر إلى جملة اسمية، ويمثلون لها بقولهم: وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨]، فيقولون هنا: (أنت) ضمير منفصل مبتدأ ثانٍ، و(الوهاب) يعني: خبر هذا..الشيخ: إي، هذا ضعيف؛ لأنك إن أعربت هكذا لزم من هذا أن يكون خبر جملة، والأصل في الخبر أن يكون مفردًا، وفات علينا فوائد ضمير الفصل.***
الالتفات
الالتفات: تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر، وله صور، منها:أولًا: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.كقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) [الفاتحة: ٢ - ٥] فحول الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله: إِيَّاكَ.ثانيًا: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.كقوله تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] فحول الكلام من الخطاب إلى الغيبة في قوله: وَجَرَيْنَ بِهِمْ.ثالثًا: الالتفات من الغيبة إلى التكلم.كقوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة: ١٢]، فحول الكلام من الغيبة إلى التكلم، في قوله: وَبَعَثْنَا.رابعًا: الالتفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ [الكوثر: ١، ٢]، فحول الكلام من التكلم إلى الغيبة في قوله لِرَبِّكَ.وللالتفات فوائد، منها:أولًا: حمل المخاطب على الانتباه لتغيُّر وجه الأسلوب عليه.ثانيًا: حمله على التفكير في المعنى؛ لأن تغيُّر وجه الأسلوب يؤدي إلى التفكير في السبب.ثالثًا: دفع السآمة والملل عنه؛ لأن بقاء الأسلوب على وجه واحد يؤدي إلى الملل غالبًا.وهذه الفوائد عامة للالتفات في جميع صوره.أما الفوائد الخاصة فتتعين في كل صورة حسب ما يقتضيه المقام، والله أعلم.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.تم ولله الحمد رب العالمين.الشيخ: وهذا فيه براعة اختتام، تعرفون براعة الاختتام؟طالب: لا يا شيخ.الشيخ: أن يؤتَى بآخر الكلام بما يدل على الانتهاء، وذلك لأن البحث الأخير هو الالتفات، يعني: كأننا التفتنا عن هذا إلى كتاب آخر.الالتفات يقول: هو (تحويل لأسلوب الكلام من وجه إلى آخر، وله صور)، ذكرنا (منها) أربعًا.(الأول: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.كقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٢ - ٥]، فحول الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله: إِيَّاكَ).أين الغيبة؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، تتحدث عن غائب، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كذلك، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِكذلك، إِيَّاكَ نَعْبُدُ، الآن تتحدث عن مخاطب: إِيَّاكَ.الفوائد الثلاثة اللي ذكرنا موجودة هنا، وهي:حمل المخاطب على الانتباه.والثانية: حمله على التفكير في المعنى.والثالثة: دفع السآمة والملل.هذه فوائد عامة في كل التفات.لكن الخاصة هنا: أنك لما أثنيت على الله تعالى بما أثنيت عليه به من كونه رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، كأنه بهذا الثناء صار حاضرًا أمامك، فقلت: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فبعد الثناء عليه جل وعلا، حضر في قلبك كأنه أمامك، فقلت: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.(ثانيًا: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. كقوله تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢]، فحول الكلام من الخطاب إلى الغيبة في قوله: وَجَرَيْنَ بِهِمْ).ولو كان على نسق واحد لقال أيش؟ (وجرين بكم)، لكن قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ، كراهة أن يتصف المخاطبون بما ذُكِرَ بعد ذلك، ما الذي ذُكر؟وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يونس: ٢٢، ٢٣]، هذه الأوصاف لا توجَّه إلى المخاطبين.حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ، الخطاب للمسلمين، وما بعدها أوصاف لا تتوجه إلى المسلمين، يعني: فيها شيء من الغضاضة لو وُجِّهَت إليهم.كقوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى، بدل: عبست وتوليت؛ لأن المراد بقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّىالنبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى.(الثالث: الالتفات من الغيبة إلى التكلم.كقوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة: ١٢]، فحوّل الكلام من الغيبة إلى التكلم في قوله: وَبَعَثْنَا).ولو كان الكلام على نسق واحد لقال؟طالب: وبعث.الشيخ: وبعث، ولكن حصل الالتفات إشارة إلى عظمة الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي يبعث الرسل، فهو إشارة إلى عظمة وكمال سلطانه، وأنه جل وعلا هو الذي يبعث الرسل، وإن كان هذا سيحصل فيما لو قال: وبعث، لكن هذه أبلغ؛ إذ أضافها لنفسه.(الرابعة: الالتفات من التكلم إلى الغيبة.كقوله: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ [الكوثر: ١، ٢]، فحوّل الكلام من التكلم إلى الغيبة في قوله: لِرَبِّكَ).يعني: ولم يقل: فَصَلِّ لنا.ولو أنه كان على نسق واحد لقال: فَصَلِّ لنا، لكنه قال: صَلِّ لِرَبِّكَ.وفائدة الإظهار هنا -الفائدة الخاصة-: الإشارة إلى أن الله تعالى منحك هذا للربوبية الخاصة بك؛ لأن الكوثر من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام.ثم قال: (وللالتفات فوائد، منها:حمل المخاطب على الانتباه لتغيُّر وجه الأسلوب عليه).وإذا تغير وجه الأسلوب لزِم من ذلك أن ينتبه المخاطب.(ثانيًا: حمله على التفكير في المعنى؛ لأن تغير وجه الأسلوب يؤدي إلى التفكير في السبب)، لماذا انتقل من الغيبة إلى التكلُّم، أو من التكلم إلى الغيبة، أو ما أشبه ذلك؟ يبحث السبب.(ثالثًا: دفع السآمة والملل عنه، يعني: عن المخاطب؛ لأن بقاء الأسلوب على وجه واحد يؤدي إلى الملل غالبًا).قال: وهذه الفوائد للالتفات بجميع صوره، أما الفوائد الخاصة فتتعين في كل صورة حسب ما يقتضيه المقام.من الأمثلة: قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: ١ - ٣].ولم يقل: عبست، لماذا؟كراهة أن يخاطِب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب القاسي.عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى.لو قال: عبست، فيها شيء من الغضاضة على الرسول عليه الصلاة والسلام.لكنه قال: عَبَسَ، تحاشيًا أن يواجه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب.وإلى هنا تنتهي هذه المذكرة من أصول التفسير، نسأل الله تعالى أن ينفع بها.***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وبعد.قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه حلية طالب العلم:الأمر الخامس من آداب الطالب في نفسه: خفض الجناح، ونبذ الخيلاء والكبرياء.تَحَلَّ بآداب النفس من العفاف، والحلم، والصبر، والتواضع للحق، وسكون الطائر من الوقار والرزانة وخفض الجناح، متحمِّلًا ذُلَّ التعلُّم لعزة العلم، ذليلًا للحق، وعليه فاحذر نواقض هذه..الشيخ: قوله: (تحل بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر والتواضع للحق)؛ لأن المقام يقتضي هكذا؛ أن يكون عند طالب العلم عفة عما في أيدي الناس، وعفة عما يتعلق بالنظر المحرَّم، وحلم؛ لا يعاجل بالعقوبة إذا أساء إليه أحد، وصبر على ما يحصل من الأذى مما يسمعه، إما من عامة الناس، وإما من أقرانه، وإما من مُعلِّمه، فليصبر وليحتسب.والتواضع للحق، وكذلك للخلق؛ يتواضع للحق بمعنى أنه متى بَانَ له الحق خضع له، ولم يَبْغِ سواه بديلًا.وكذلك للخلق، فكم من طالب فَتَح على مُعلِّمه أبوابًا ليست على بال منه، ولا تحقِرن شيئًا.وقوله: (سكون الطائر من الوقار والرَّزانة وخفض الجناح).هذه أيضًا ينبغي لطالب العلم أن يبتعد عن الخفة، سواء كان في مِشيته، أو في تعامله مع الناس، وأن لا يكثر من القهقهة التي تُمِيت القلب وتُذهب الوقار، بل يكون خافضًا للجناح، متأدبًا بالآداب التي تليق بطالب العلم.وقوله: (متحملًّا ذل التعلم لعزة العلم).هذا جيد، يعني: أنك لو أذللت نفسك للتعلم فإنما تطلب؟ عزَّها بالعلم، فيكون تذليلها بالتعلم لأنه يُنْتِج ثمرة طيبة.***
الطالب: وعليه، فاحذر نواقض هذه الآداب؛ فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهدًا على أن في العقل علة، وعلى حرمان من العلم والعمل به، فإياك والْخُيَلَاء؛ فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغ من شدة التوقي منه عند السلف مبلغًا.الشيخ: صحيح، الْخُيَلَاء، هذه تحدث للإنسان طالب العلم، وللإنسان كثير المال، وللإنسان سديد الرأي، وكذلك في كل نعمة أنعم الله بها على العبد ربما يحصل عنده الْخُيَلَاء.والْخُيَلَاء هي الإعجاب بالنفس مع ظهور ذلك على هيئة البدن، كما جاء في الحديث: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» ، فالإعجاب يكون بالقلب فقط، فإن ظهرت آثاره فهو خُيَلَاء.وقوله: (إنه نفاق وكبرياء).أما كونه كبرياء فواضح، وأما كونه نفاقًا فلأن الإنسان يظهر بمظهر أكبر من حجمه الحقيقي، وهكذا المنافق يظهر بمظهر المخلص الناصح، وهو ليس كذلك.***
الطالب: ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي المتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى:أنه كان إذا خرج من المسجد قبض بيمينه على شماله، فسئل عن ذلك، فقال: مخافة أن تنافق يدي. قلت: يمسكها خوفًا من أن يخطر بيده في مشيته؛ فإن ذلك من الخيلاء.الشيخ: الله أكبر، صحيح.(يخطر بيده): يعني: يحرِّكها تحريكًا معيَّنًا يدل على أنه عنده كبرياء وعنده خُيَلَاء، فيقبض بيمينه على شماله لئلَّا تتحرك.طالب: ومن دقيقه يا شيخ، ولَّا من دقيقة؟ يقول: ومن دقيقه ما أسنده الذهبي، ما هي من دقيقة ما أسنده الذهبي؟الشيخ: لا، من دقيقه، أي: الحذر، من نواقض هذه الآداب التي ذكرها.***
الطالب: وهذا العارض عرض للعنسي رحمه الله تعالى، واحذر داء الجبابرة: الكبر؛ فإن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عُصِيَ الله به، فتطاولك على معلِّمك كبرياء، واستنكافك عمَّن يفيدك ممن هو دونك كبرياء، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان.| الْعِلْـــــــمُ حَــــــــــــرْبٌ لِلْفَــــــتَى الْمُتَعَـــــــــالِي | كَالسَّيْلِ حَـــربٌ لِلْمَكَــــانِ الْعَــــــــالِي |
***
الطالب: فالزم رحمك الله اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك، وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء أو غطرسة أو حب ظهور أو عُجْب، ونحو ذلك من آفات العلم القاتلة له، الْمُذْهِبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علمًا أو رفعة في ولاية فالزم ذلك، تحُرز سعادة عظمى، ومقامًا يغبطك عليه الناس.وعن عبد الله بن الإمام الحجة الراوية في الكتب الستة بكر بن عبد الله المزني رحمهما الله تعالى قال: سمعت إنسانًا يُحَدِّث عن أبي أنه كان واقفًا بعرفة، فرقَّ، فقال: لولا أني فيهم لقلت: قد غفر لهم. خرَّجه الذهبي، ثم قال: قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يُزري على نفسه ويهضمها. انتهى.الشيخ: وهذه العبارات التي تُطلق عن السلف في مثل هذا يريدون به التواضع، وليسوا يريدون أنهم يغلِّبون جانب سوء الظن بالله عز وجل، أبدًا، لكنهم إذا رأوا ما هم عليه خافوا وحذروا، وجرت منهم هذه الكلمات. وإلا فإن الأَوْلَى بالإنسان أن يحسن الظن بالله، ولا سيما في هذا المقام، في مقام عرفة الذي هو مقام دعاء وتضرع إلى الله عز وجل، ويقول مثلًا: إن الله لم يُيَسِّر لي الوصول إلى هذا المكان إلا من أجل أن يغفر لي؛ لأني أسأله المغفرة، والله تعالى يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، لكن تظهر مثل هذه العبارات من السلف من باب التواضع، وسوء الظن بالنفس لا بالله عز وجل.***
الطالب: الأمر السادس: القناعة والزَّهَادة:التحلي بالقناعة والزهادة، وحقيقة الزهد: الزهد بالحرام، والابتعاد عن حِمَاه بالكف عن المشتبهات، وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس.الشيخ: هذا أيضًا التحلي بالقناعة، من أهم خصال طالب العلم، يعني أن يقتنع بما آتاه الله عز وجل، ولا يطلب أن يكون في مصافِّ الأغنياء والْمُتْرَفِين؛ لأن بعض طلبة العلم وغيرهم تجده يريد أن يكون في مصافِّ الأغنياء والمترفين، فيتكلف النفقات في المأكل والمشرب والملبس والمفرش، ثم يُثقل كاهله بالديون. وهذا خطأ، بل عليك بالقناعة؛ فإنها خير زاد للمسلم.وأما الزهادة فيقول: (حقيقة الزهد الزهد بالحرام، والابتعاد عن حِمَاه بالكف عن المشتبهات)، وكأنه أراد بالزهد هنا: الورع؛ لأن هناك ورعًا وزهدًا، والزهد أعلى مقامًا من الورع؛ لأن الورع تَرْك ما يضر في الآخرة، والزهد تَرْك ما لا ينفع في الآخرة، بينهما فرق؟ الفرق الذي بينهما المرتبة التي ليس فيها ضرر وليس فيها نفع؛ فالوَرِع لا يتحاشاها، والزاهد؟طالب: يتحاشاها.الشيخ: يتحاشاها ويتركها؛ لأنه لا يريد إلا ما ينفعه في الآخرة.***
الطالب: ويؤثَر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لو أوصى إنسان لأعقل الناس صُرِف إلى الزُّهّاد.الشيخ: الله أكبر.يعني: في الوصية لو قال: أوصيت لأعقل الناس، يُصرَف إلى من؟ إلى الزهاد؛ لأن الزهاد هم أعقل الناس، حيث تجنبوا ما لا ينفعهم في الآخرة.وهذا الذي قاله رحمه الله ليس على إطلاقه؛ لأن الوصايا والأوقاف والهبات والرهون وغيرها ترجع إلى معناها في العرف، فإذا كان أعقل الناس في عرفنا هم الزهاد صُرِفَ لهم ما أوصى به في الزهاد، وإذا كان أعقل الناس هم ذوي المروءة والوقار والكرم بالمال والنفس صُرف إليهم.***
الطالب: وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنِّف كتابًا في الزهد؟ قال: قد صنفت كتابًا في البيوع.يعني: الزاهد من يتحرز عن الشبهات والمكروهات في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والْحِرَف.الشيخ: لما طلب منه أن يصنِّف في الزهد قال: قد صنَّفْت كتابًا في البيوع؛ لأن من عرف البيوع وأحكامها، وتحرَّز من الحرام، واستحل الحلال، فإن هذا هو الزاهد.***
الطالب: وعليه فليكن معتدلًا في معاشه بما لا يشينه، بحيث يصون نفسه ومن يعول، ولا يرِد مواطن الذلة والهون، وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي المتوفى في السابع عشر من شهر ذي الحجة عام ثلاث وتسعين وثلاث مئة وألف -رحمه الله تعالى- مُتَقَلِّلًا من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: لقد جئت من البلاد شنقيط ومعي كنز قَلَّ أن يوجد عند أحد، وهو القناعة، ولو أردت المناصب لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أؤثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية. فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، آمين.الشيخ: آمين.هذا الكلام من الشيخ الشنقيطي وأشباهه من أهل العلم لا يريدون بذلك تزكية النفس، إنما يريدون بذلك نفع الخلق، وأن يقتدي الناس بهم، وأن يكونوا على هذا الطريق؛ لأننا نعلم هذا من أحوالهم، أي: من أحوال العلماء، أنهم لا يريدون تزكية النفس، وهم أبعد الناس عن ذلك، وهو رحمه الله -كما ذكره الشيخ بكر- من الزُّهاد، إذا رأيته لا تقول إلا أنه رجل من أهل البادية، حتى العباءة تجد أن عليه عباءة عادية ما فيها هذا الزَّري، وكذلك الثياب، ولا تجده يهتم بهَندمة نفسه وثيابه، رحمه الله.***
الطالب: الأمر السابع: التحلي برونق العلم؛ حسن السمت، والهدي الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجَّة بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.الشيخ: هذا قد يكون فرعًا لما سبق؛ فإن حسن السمت، والهدي الصالح من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، قد سبق الإشارة إليها، وأنه ينبغي لطالب العلم أن يكون أُسوة صالحة في هذه الأمور.***
الطالب: وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى أنه قال: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم، وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: حَدِّثنا، ولا تُحَدِّثْنا عن مُتَمَاوِت ولا طَعَّان. رواهما الخطيب في الجامع، وقال: يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبذل في المجالس بالسُّخف، والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه؛ فإن ما يُستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة. انتهى.الشيخ: هذا من أحسن ما قيل في الآداب؛ آداب طالب العلم، أن يتجنب اللعب والعبث إلا ما جاءت به الشريعة، كاللعب برمحه، وسيفه، وفرسه؛ لأن ذلك يعينه على الجهاد في سبيل الله، وكذلك في وقتنا الحاضر اللعب بالبنادق الصغيرة التي يسمونها بندق الحبة، أو أم حبة، هذا لا بأس به.وكذلك العبث: هو أن يفعل فعلًا لا داعي له، أو يقول قولًا لا داعي له.كذلك التَّبَذُّل في المجالس بالسُّخف والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المِزاح والإكثار منه، لا سيما عند عامة الناس، أما عند أصحابك وأقرانك فالأمر أهون، لكن عند عامة الناس إياك أن تفتح على نفسك باب الامتهان، فإن ذلك يُذهِب الهيبة من قلوب الناس، فلا يهابونك ولا يهابون العلم الذي تأتي به.***
الطالب: وقد قيل: مَن أكثر من شيء عُرِف به، فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية، وعن الأحنف بن قيس أنه قال: جنِّبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أُبغض الرجل يكون وصَّافًا لفرجه وبطنه.الشيخ: الله المستعان، صحيح؛ لأن هذا يُشغل عن طلب العلم، مثل أن يقول: أكلت البارحة أكلًا حتى ملأت البطن، وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا داعي لها، أو يتكلم بما يتعلق بالنساء، أما إذا كان يتكلم بما يكون بينه وبين أهله فذلك من أشد أو من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، الرجل يكون مع أهله ثم يصبح يحدِّث الناس بما فعل، فإن هذا من أشر الناس منزلة عند الله عز وجل.طالب: شيخ، يحصل بين طلبة العلم أحيانًا أن يمدح أحدهما الآخر، فالممدوح يقول: لا يا أخي، لو تعلم ما بي ما جلست معي، ولفررت مني إلى أعالي الجبال، فهل هذا سائغ، أو يسكت؟الشيخ: لا، هذا إذا كان حقًّا فلا بأس، كما قال بعض السلف في الوقوف بعرفة: لولا أني معهم لرجوت أن يُغفر لهم.الطالب: يا شيخ: لا شك أنه حق، يعني: كلنا مُذْنِبُون، ولو كان للذنوب رائحة لصدق.الشيخ: طيب، إذن لا مانع.قال القحطاني في نونيته:| وَاللهِ لَــــــــــــوْ عَلِمُــــــــوا خَـــــبِيءَ سَــــرِيـــــرَتِي | لَأَبَى السَّـــــــلَامَ عَلَــــــيَّ مَـــــنْ يَلْقَـــــــانِي |
من العهدة، ولكن قد يقال: إن هذا فيه نظرًا؛ لأنه إذا ذكرها فقد لا يتسير للقارئ
أن يراجع أصولها ويعرفها، ولكن يُعتذر عن ابن جرير وأشباهه، يعتذر عنهم أنهم -والله
أعلم- لم يكن لهم فراغ في تمحيصها وتحريرها، وخافوا من ضياع الصحيح منها، فقالوا:
نثبتها، ولعل الله يأتي بمن يُنَقِّحها ويُحَرِّرها.
والقسم الثاني: مَن
أكْثَرَ منها وجرَّدها من الأسانيد غالبًا، وهذا أقل رتبة من الأول؛ لأن الأول يذكر
الأسانيد، وبإمكان الإنسان أن يراجعها، ويعرف الصحيح من الضعيف، لكن هذا لا يذكر
الأسانيد، فكان حاطب ليل، مثل البغوي، البغوي -رحمه الله- تفسيره فيه إسرائيليات
كثيرة لا يذكر لها سندًا، ولا يتعقبها، لكنه في اللغة جيد، وتفسيره تجزئة، ليس كبعض
المفسرين؛ يذكر الآيات الكثيرة، ثم يذكر المعنى مجملًا، بل هو تفسيره تفسير تجزئة
على جملة جملة، ومفيد لطالب العلم، لكن ما من أحد إلا وله هفوة، في الإسرائيليات لا
يهتم بها، ولا يذكر أسانيدها، وينقلها، وقال شيخ الإسلام عن تفسيره: إنه مختصر من
الثعلبي، لكنه -أي: البغوي رحمه الله- صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة،
فكان بذلك خيرًا من تفسير الثعلبي.
(وقال عن الثعلبي)، يقول شيخ الإسلام:
(إنه حاطب ليل)، حاطب الليل ربما يحمل مع حطبه ثعبانًا يُهلكه، ولا يتفقد
ولا ينظر، يأخذ ما هَبَّ ودَبَّ؛ ولذلك يُضْرَب هذا مثلًا لمن لا يكترث بالأمور ولا
يحققها ولا يحرِّرها.
قال: (ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح، وضعيف،
وموضوع)، ومن العلماء (من ذكر كثيرًا منها، وتعقَّب البعض مما ذكره بالتضعيف
أو الإنكار)، وهذا (مثل ابن كثير)، ولكن نقول: تعقب البعض، يعني: لم
يتعقب جميع الإسرائيليات الضعيفة، بل تعقب بعضها وأنكره أشد الإنكار، وهذا أحسن من
الذي قبله.
(ومنهم من بالغ في ردِّها، ولم يذكر منها شيئًا، يجعله تفسيرًا
للقرآن، كمحمد رشيد رضا)، والظاهر أن غيره من المعاصرين مثله، لا يعتبر إطلاقًا
بالإسرائيليات، ويقول: لا يجوز أن يفسَّر بها كلام الله، ويعرض عنها إعراضًا
كاملًا.
هذه أحوال العلماء بالنسبة للإسرائيليات.
طالب: تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي من أي الأصناف؟
الشيخ: الشيخ عبد الرحمن السعدي ما ينقل الإسرائيليات، اللهم إلا
نادرًا.
طالب: مفيد تفسيره؟
الشيخ: إي، مفيد ما فيه شك، من أفيد التفاسير، لكنه -رحمه الله-
أحيانًا يذكر الآية ولا يتكلم عليها إطلاقًا، وأحيانًا ينسى الآية أيضًا، لكن
نادرًا هذا، أحيانًا يتكلم على الآية في استنباط الأحكام بكلام لا تجده في غيره،
ولا في تفسير القرطبي الذي يعتني بالأحكام.
طالب: شيخ،
ما قولك: إن المفسرين كانت مواقفهم على ثلاثة أنحاء، ثم قسمنا تقسيمًا رباعيًّا،
فأي التقسيم..؟
الشيخ: لأن محمد رشيد رضا ما يعتبرها
إطلاقًا، الثلاثة اللي قبله كلها تَعْتَبِر التفسير وتأخذ بها، ولكن بعضهم
يمحِّصها، وبعضهم يذكر أسانيدها، وبعضهم ما يذكر أسانيدها ولا يمحِّصها.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما هي القيمة العلمية لتفسير محمد
رشيد رضا؟
الشيخ: والله أنا أستفيد منه كثيرًا، تفسير
فيه مسائل جيدة، وكما نعلم هو رحمه الله ممن يميل إلى الاستقلال الفكري في تفسير
القرآن، لكني أستفيد منه، ولطالب العلم مفيد، ثم إنه يتعرض في بعض الاحيان لأحوال
المسلمين الواقعة، ويطبق عليها آيات القرآن، لكن كما نعلم لم يُتمَّه، أظنه أخذ
اثني عشر جزءًا تقريبًا.
طالب: ما تقصد بالاستقلال
الفكري؟
الشيخ: الاستقلال الفكري أنه غالبًا يرجع إلى
عقله دون أن يرجع إلى غيره، لكن مع ذلك يكون استنباطه وفهمه جيدًا.
***
الضمير
الضمير لغةً: من الضمور وهو الهزال؛ لقلة حروفه، أو من الإضمار وهو الإخفاء؛ لكثرة استتاره.| فَمَــــــــــا لِــــــــــذِي غَيْبَـــــــــةٍ أَوْ حُضُـــــــــــورٍ | كَـ(أَنْتَ) وَ(هْوَ) سَـــــــــمِّ بِالضَّمِـــــــيرِ |
***
الطالب: فالدال على الحضور نوعان؛ أحدهما: ما وُضِعَ للمتكلم، مثل: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ [غافر: ٤٤]. الثاني: ما وُضِعَ للمخاطب، مثل: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]، وهذان لا يحتاجان إلى مرجع اكتفاءً بدلالة الحضور عنه، والدال على الغائب ما وُضِعَ للغائب، ولا بد له من مرجع يعود عليه، والأصل في المرجع أن يكون سابقًا على الضمير لفظًا ورتبةً.***
الطالب: وقد يكون مفهومًا من مادة الفعل السابق مثل: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨]...***
الطالب: وقد يسبق لفظًا لا رتبة، مثل وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ [البقرة: ١٢٤]، وقد يسبق رتبة لا لفظًا؛ مثل: حمل كتابه الطالب، وقد يكون مفهومًا..***
الطالب: وقد يكون مفهومًا من السياق، مثل: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١١]، فالضمير يعود على الميت المفهوم من قوله: مِمَّا تَرَكَ، وقد لا يطابق الضمير معنًى مثل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً [المؤمنون: ١٢، ١٣]، فالضمير يعود على الإنسان باعتبار اللفظ؛ لأن المجعول نطفة ليس الإنسان الأول، وإذا كان المرجع صالحًا للمفرد..***
الطالب: وإذا كان المرجع صالحًا للمفرد والجمع جاز عود الضمير عليه بأحدهما، مثل: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١].***
الطالب: والأصل اتحاد مرجع الضمائر إذا تعددت، مثل: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ٥ - ١٠] فضمائر الرفع في هذه الآيات تعود إلى شديد القوى وهو جبريل.***
الطالب: والأصل عود الضمير على أقرب مذكور إلا في المتضايفين، فيعود على المضاف؛ لأنه المتحدَث عنه، مثال الأول: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء: ٢]، ومثال الثاني: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، وقد يأتي على خلاف الأصل فيما سبق بدليل يدُل عليه.***
الإظهار في موضع الإضمار
الأصل أن يؤتى في مكان الضمير بالضمير؛ لأنه أَبْيَن للمعنى وأخصر للفظ؛ ولهذا ناب الضمير في قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥] عن عشرين كلمة المذكورة قبله، وربما يؤتى مكان الضمير بالاسم الظاهر، وهو ما يسمى الإظهار في موضع الإضمار، وله فوائد كثيرة تظهر بحسب السياق، منها: أولًا..***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في كتابه أصول في التفسير:***
ضمير الفصل
ضمير الفصل حرف بصيغة ضمير الرفع المنفصل يقع بين المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، ويكون بضمير المتكلم كقوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه: ١٤]، وقوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: ١٦٥]، وبضمير المخاطب، كقوله تعالى: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٧] وبضمير الغائب، كقوله تعالى: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥] وله ثلاث فوائد:***
الالتفات
الالتفات: تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر، وله صور، منها:***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وبعد.***
الطالب: وعليه، فاحذر نواقض هذه الآداب؛ فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهدًا على أن في العقل علة، وعلى حرمان من العلم والعمل به، فإياك والْخُيَلَاء؛ فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغ من شدة التوقي منه عند السلف مبلغًا.***
الطالب: ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي المتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى:***
الطالب: وهذا العارض عرض للعنسي رحمه الله تعالى، واحذر داء الجبابرة: الكبر؛ فإن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عُصِيَ الله به، فتطاولك على معلِّمك كبرياء، واستنكافك عمَّن يفيدك ممن هو دونك كبرياء، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان.| الْعِلْـــــــمُ حَــــــــــــرْبٌ لِلْفَــــــتَى الْمُتَعَـــــــــالِي | كَالسَّيْلِ حَـــربٌ لِلْمَكَــــانِ الْعَــــــــالِي |
***
الطالب: فالزم رحمك الله اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك، وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء أو غطرسة أو حب ظهور أو عُجْب، ونحو ذلك من آفات العلم القاتلة له، الْمُذْهِبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علمًا أو رفعة في ولاية فالزم ذلك، تحُرز سعادة عظمى، ومقامًا يغبطك عليه الناس.***
الطالب: الأمر السادس: القناعة والزَّهَادة:***
الطالب: ويؤثَر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لو أوصى إنسان لأعقل الناس صُرِف إلى الزُّهّاد.***
الطالب: وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنِّف كتابًا في الزهد؟ قال: قد صنفت كتابًا في البيوع.***
الطالب: وعليه فليكن معتدلًا في معاشه بما لا يشينه، بحيث يصون نفسه ومن يعول، ولا يرِد مواطن الذلة والهون، وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي المتوفى في السابع عشر من شهر ذي الحجة عام ثلاث وتسعين وثلاث مئة وألف -رحمه الله تعالى- مُتَقَلِّلًا من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: لقد جئت من البلاد شنقيط ومعي كنز قَلَّ أن يوجد عند أحد، وهو القناعة، ولو أردت المناصب لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أؤثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية. فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، آمين.***
الطالب: الأمر السابع: التحلي برونق العلم؛ حسن السمت، والهدي الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجَّة بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.***
الطالب: وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى أنه قال: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم، وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: حَدِّثنا، ولا تُحَدِّثْنا عن مُتَمَاوِت ولا طَعَّان. رواهما الخطيب في الجامع، وقال: يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبذل في المجالس بالسُّخف، والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه؛ فإن ما يُستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة. انتهى.***
الطالب: وقد قيل: مَن أكثر من شيء عُرِف به، فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية، وعن الأحنف بن قيس أنه قال: جنِّبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أُبغض الرجل يكون وصَّافًا لفرجه وبطنه.| وَاللهِ لَــــــــــــوْ عَلِمُــــــــوا خَـــــبِيءَ سَــــرِيـــــرَتِي | لَأَبَى السَّـــــــلَامَ عَلَــــــيَّ مَـــــنْ يَلْقَـــــــانِي |